إما تحرر العراق تحررا كاملا؛ أو خراب إقليمي وعالمي
إن أوضاع العراق مظلمة وتزداد ظلاما مع مرور الأيام والأسابيع، ويزداد المجتمع العراقي إنقساما، طبقيا وطائفيا، وتعاني غالبية الشعب الساحقة من الفقر وفقدان أبسط ضرورات الحياة،وقد بلغت البطالة نسبة ستين أو سبعين بالمئة، ويعدّ المهجرون من المدن والذين غادروا العراق هربا من الأوضاع السائدة بالملايين بعد أن كانوا يعدون بالألوف وبمئات الألوف قبل سنة واحدة. أن المجتمع العراقي الذي شهد الفاجع والاحتلال على مر العصور لم يشهد مثيلا لهذا الدمار الذي جاء به الاحتلال الأمريكي، ولا سيما من بذور الطائفية الفتاكة التي تشكل ميّزة ملازمة للإمبريالية الأمريكية والأوربية.
ومع كل هذه الخلفية التي جاء بها الاحتلال ظهر ويظهر بصيص مستقبل جديد أول بوادره فشل الاحتلال، وشروع واشنطن ولندن بالإعداد لأنسحاب القوات الأمريكية والبريطانية. وبالإقتران بهذا، بدأ مخاض عسير يبشر بميلاد عراق حر موحد الصفوف خال من التركات الشريرة للماضي السحيق. لكن سلامة هذا الميلاد يفترض مقدمات وشروط، يمكن نصورها من مآسٍ ونجاحات تاريخية حققها شعبان مجهدان شقيقان: الشعب اللبناني الذي خرج منتصراً بعد جهاد طويل، وكذلك الشعب الفلسطيني الذي حوّّل النكبة الى سلم لتحرره واستعادة وطنه المحتل. فلا شك أن عوامل النصر ترجع بالدرجة الأولى الى توافر الوحدة الوطنية تحت راية قيادات كحزب الله وحركة حماس.هذا ما يعوزه الشعب العراقي الذي فقد قياداته الثورية أما بمشانق الأنظمة البائدة أو بما هو أفظع وأخس، بواسطة المرتزقة الإنتهازية الذين هيمنوا في غفلة من الزمن على قيادات المنظمات الوطنية والثورية. إن ما يفتقده العراق هو صيغة تشابه قيادات وطنية من الطراز اللبناني الفلسطيني تتميز بملامح خاصة مستمدة من التراث السياسي الثوري العراقي،ومستنيرة بالفكر العلمي والتقدمي، ومتفتحة على التقنية العصرية.
إن الأوضاع السائدة الماضية هي التي صاغت العراق الراهن بكل مآثره ومساوئه. فيزل هذا العراق يعاني من تركة الدماء والخراب التي خلفها النظام الصدامي الذي صيّر العراق سجناً كبيرا وأشعل سلسلة من الحروب المدمرة ومارس، الى جانب سفك الدماء والتدمير، شراء الذمم والتجهيل والتضليل لحقبة شملت أكثر من جيل. هذا من ناحية الوضع الداخلي،أما الوضع العالمي المحيط فلم يكن أفضل حالا، إذ كان توافق المصالح الدولية للمعسكرين، الأمريكي والسوفيتي، لتقاسم النفوذ في العراق شأن غيره من بلدان العالم الثالث، جانب الحروب بـ “الواسطة” بين الدول الكبرى قد أفسد غالبية الأنظمة والحركات السياسية التقليدية، يمينا ويسارا، لأسباب تبعيتها السياسية والمالية بهذا المعسكر أو الآخر، أو كلاهما في الوقت نفسه، فتحوَل أكثر اطرافها العلمانية والدينية الى مرتزقة للقوى الدولية، بذلك حرم العراق من قيادات وطنية تضع مصالح الشعب فوق جميع الاعتبارات.. فالعراق يفتقد لمنظمات سياسية كحزب الله في لبنان وحركة حماس في فلسطين المحتلة تجمع بين النزاهة والكفاءة والشعبية، فهل يمكن هذا للعراق بتراثه الفكري وتركيبه المذهبي وانتماءآته الدينية والإثنية.
تحرير العراق رهن بالتفاف الجماهير حول قيادات وطنية تجمع بين النزاهة والكفاءة والشعبية
ألحقيقة أن كثير من تقاليد العراق الموروثة كتمت أو غابت عن الأجيال الفتية، فكانت بحاجة الى فترة من الزمن للتلمذة السياسية لإنضاج تجربتها،هذا في حين تشوهت عقلية المسنين جراء ظروف الحصار وانشغالهم بالبحث عن الضرورات المعاشية،كل ذلك جعل المجتمع العراقي في ظل الاحتلال مشتت الأهواء تشغله الحاجات اليومية الماسة عن التفكير بالمستقبل. هذه الحالة العقلية لا تلائم ظهور وتطور حركات سياسية وطنية نزيهة كالتي تطورت في لبنان وفلسطين خلال فترات طويلة من الزمن، فكانت النتيجة أن دخل المحتلون العراق وهو في شبه فراغ سياسي فكري وعسكري. مع ذلك ومع مرور نحو آربع سنوات على الاحتلال، فقد انتهت فترة “الحضانة” وانكشفت ملامح الاصطفاف السياسي الجديد، وبدأ المشهد العراقي بالاستقطاب والتغيُر السريعين نسبيا.
كانت قوى سياسية انضمت الى معسكر الأمريكي قبل الاحتلال بضع سنين، ثم دخلت العراق على دبابات الاحتلال وتبعتها فئات متنوعة من الانتهازيين والمرنزقة، في حين ظل المعسكر الوطني مشتت الصفوف بين خليط من الأوساط، منها منظمات ثورية واعية لكنها ضئيلة العدد والموارد،وأفراد كثيرون يائوسون يشغلهم كسب ضرورات الحياة الأولية عن العمل السياسي ضد الاحتلال.ومع ذلك لعبت تلك المنظمات الضعيفة دورا مهما في توعية الفئات النشطة من الشعب والمؤسسات الإعلامية،وأسهمت، بالتكاتف مع شتى القوى، بدحر المشاريع الأمريكية لمصادرة الثروات النفطية وتصفية القطاع الصناعي الوطني بهدف سيطرة استعمارية مباشرة كالتي طبقت في فترة مبكرة في اليابان المحتلة. وكانت هناك قوى أخرى ذات علاقة بالنظام المنهار توارت عن الأنظار لفترة من الزمن، لكنها ظلت على أمل المصالحة مع حلفائها واسيادها السابقين ومحاولة التمسك ببعض مراكزها المهيمنة على المؤسسات العسكرية والحكومية. لكن هذه الأمال لم تتحقق بسبب رعونة المؤسسة الحاكمة الأمريكية. ثم انفجرت التمردات العفوية من شتى الاتجاهات ضد الاحتلال.
في ظل هذه الأوضاع تطورت المقاومة الجماهيرية العفوية، وبرز التيار الصدري وتحول تدريجيا من فئة محدودة الأفق قليلة العدد نسبيا الى حركة جماهيرية ووطنية. والحقيقة أن ملايين الجياع والعاطلين والطلبة والشبيبة التي انظوت تحت راية التيار غيرت من طبيعته وصيرته عاملا فعالا في المعركة الوطنية الحاسمة التي يخوضها العراق اليوم.إن هذا التطور غيََر ويغير من توازن القوى لصالح الشعب العراقي، وهو تعبير عملي عن الحس الوطني والطبقي الفطريين للجماهير الفقيرة العراقية، فلم يكن من الغريب أن تتطير البنتاغون من هذه التطورات فتقول، وبطريقتها الملتوية، في تقريرها الأخير عن أوضاع العراق أن “جيش المهدي” حل محل القاعدة كـ “أخطر قوة تسير بالعراق صوب حرب أهلية”. (واشنطن بوست، 19/12/06).
وفي كردستان العراق ترسخت سيطرة القوى القومية والتحررية التي تحولت الى عامل فعّال في تطور كامل البلاد. وقد شهد كردستان العراق بوادر نهضة شعبية ذات علاقة بالتطورات الإقتصادية والسياسية، حتى قبل أن يتبين زيف الوعود الأمريكية بتحقيق الحكم الفدرالي الديمقراطي وتلبية المطالب المشروعة للشعب الكردي. وقد جاء تقرير (جماعة بيكرـ هاملتون) والتقرير اللاحق لـ (جماعة الأزمة) ليؤكدا زيف الوعود الأمريكية الطناّنة حول مستقبل زاهر للشعب الكردي في العراق في ظل الهيمنة الأمريكية. ولم يكن من الغريب تصاعد احتجاجات الشعب الكردي مدعومة بانتقادات المسؤولين في مختلف المراكز الحكومية في كردستان وعموم العراق,ولا شك أن الكفاح المشترك للشعبين العربي والكردي حري بافشال المشاريع الإنهزامية التي شرعت الدوائر الأمريكية بتنفيذها للتملص من التبعات الثقيلة لإنهيار المشروع الإمبريالية الأمريكي، ونقلها على رقاب الشعب العراقي بمكوناته الأثنية والدينية.
هكذا تظهر للعيان ملامح اصطفاف وطني جديد يبشر بتعجيل جلاء قوات الاحتلال ورحيل مرتزقتها من اللصوص والخونة.إن «الغد» تدعو الى ائتلاف القوى الوطنية المذكورة؛ الحركات الجماهيرة المنظوية في التيار الصدري، القوى التحررية في كردستان العراق وأخيرا، وليس آخِرا تيار اليسار الديمقراطي وجميع القوى والأفراد الذين يهمهم تحرير العراق من الاحتلال وتحقيق الحياة الأمنة في ظل الدمقراطية، كنواة لجبهة اتحاد وطني واسعة تضم كل مكونات الشعب العراقي عربا وكردا ومن جميع الإنتماءات الدينية لإجلاء قوات الاحتلال واستعادة جميع حقوق الشعب العراقي في السياسية والإنسانية وتعويض العراق عما لحقه من تدمير وسفك للدماء.
وكخطوة أولى ندعو الى رفض إعادة تجديد منظمة الأمم المتحدة تخويلها لبقاء قوات الاحتلال في العراق. فقد كان مجلس الأمن الدولي مدد هذا التخويل، الذي صاغته الولايات المتحدة الأمريكية جزافا، في 28 تشرين الثاني 2006، لمدة سنة واحدة تبدأ من نهاية شهر كانون الأول لعام 2006 ، مع إقرار حق مجلس الأمن إالغاء التخويل المذكور، وإعادة النظر به بطلب الحكومة العراقية، أو تجري إعادة النظر بتاريخ 15 حزيران 2007 .
وقد كان التجديد بطلب من رئيس الوزراء العراقي، السيد نوري المالكي في رسالته بتاريخ (14/11/2006) بمصادقة مطعون بها من مجلس النواب العراقي في عملية ملتوية، كما صرّح أحد أعضاء المجلس المقربين من التيار الصدري، د. جابر حبيب، وغيره من النواب. إذ كانت غالبية المجلس صوتت لإدخال ثلاث تعديلات على نص التخويل، منها تحديد أمد التخويل بستة أشهر بدلا عن سنة كاملة،لكن أيا من تلك التعديلات لم يظهر في النص الرسمي الذي أقره مجلس الأمن الدولي، كما يقول الدكتور حبيب.
إننا ندعو القوى الوطنية جميعا لمطالبة منظمة الأمم المتحدة ومجلس الأمن الدولي إلغاء التخويل المذكور عند إعادة النظر فيه قبل حزيران المقبل.
ليكن عام 2007 ، عام الجلاء والتحرر الوطني!
Posted: January 4th, 2007 under General.
Comments: 2
Comments
Comment from Hani Lazim
Time: 2007-01-07, 5.47 pm
Important, and very good analysis. welcom back
Comment from Mohamed Shnawa
Time: 2007-01-13, 7.33 pm
It is welcoming singe to see ALGHAD published again ,especialyy to those who planted the Seed of this Patriotic Magaazine.
Although I disagree with some of the political analysis contained in this Article and my objection based on my personal expriences through living working and visting Iraq on regular basis ,since the overthrow of the Dictatorship .
Judging by what I have seen , witness and learned on the Iraqi Soil , it heart to say the Iraqi Left have become insignificant in the present political equation .
The lefty need to be part of the Political process and need to change their practice and Slogan.
We worked and dreamed in establishing democracy and justice for the Iraqi Nation .Democracy can not be built on Slogans alone . Democracy need practical work and sacrifice
You can not contribute towards the building of Democracy through continues oppostion in the name ANTI OCCUPATION.
The American will leave Iraq sooner or later ,but the poeple of Iraqwill not forgive those who identified with his enemy.
those of who lived and saw the Crime of the enemy who stole the IRAQI People 14th of July 1958 Revolution will Accept All the Suffiring and Scraifices to prevent Turning the Clock back to pre March 2003. The Enemy of the Iraqi people still the same old enemy ,although the names and the players have now changed hands.
Write a comment