قانون النفط العراقي بين مطرقة الصفقات السياسية وسندان الدستور
خبير في مركز دراسات الطاقة العالمية- لندن
نتيجة للضجة الشعبية والمعارضة الشديدة التي أثارها قانون النفط والغاز العراقي المقترح، قرر مجلس النواب دعوة خبراء النفط العراقيين المقيمين في الخارج إلى ندوة تقام معهم في دبي بتاريخ 18/4/2007 للاستماع لآرائهم بشأن ذلك القانون، وكنت أنا أحد المدعوين. لقد كانت تلك الدعوة خطوة ديمقراطية طالما افتقدنا مثلها أيام زمان، خصوصاً خلال حكم صدام حسين الذي أبرم عدة اتفاقيات أو عقود مشاركة الإنتاج دون علم الشعب العراقي بذلك. ولقد وقَّع ذلك الدكتاتور بعضاً من تلك العقود كان أهمها عقد المشاركة في الإنتاج مع روسيا الاتحادية لتطوير حقل غربي القرنة، إلا أنه ألغى ذلك العقد لعدم قيام روسيا بتنفيذ العقد التزاماً منها بالحصار الاقتصادي الذي كان مضروباً آنذاك على العراق.
ولقد كان الخبراء العراقيون- الحريصون أشد الحرص على ثروات البلد الطبيعية- يعتقدون أن الوفد النيابي/الوزاري برئاسة الشيخ خالد العطية (النائب الأول لرئيس مجلس النواب) جاء ليصغي إلى ما يقوله الخبراء من أجل أن يكون الوفد على بينة من مثالب القانون (وكذلك مثالب الدستور) وأخذها بنظر الاعتبار حين مناقشة القانون في وقت قريب. غير أن الذي حدث لم يكن متوقعاً أبداً. فعلى الرغم أن الشيخ خالد العطية أعطى في كلمته التي ألقاها أهمية بالغة لقانون النفط والغاز قائلاً بأنه أهم قانون بعد الدستور، أفصح الدكتور علي بابان (وزير التخطيط) حينما جاء دوره بالكلام، بأن هذا القانون جاء نتيجة صفقة سياسية ــ دستورية، وسيكون من الصعب إجراء أي تعديل جوهري عليه، وكأنه بكلامه ذاك قد صبَّ ماءً بارداً على حماسة الخبيرين طارق شفيق وفاروق القاسم اللذين أعلنا، بمداخلتهما، بأن القانون الذي كتباه بمعية مستشار رئيس الوزراء ثامر الغضبان هو ليس قانون النفط المعلن حالياً والذي أرسله مجلس الوزراء إلى مجلس النواب بعد مصادقته، إذ دخلت عليه تغييرات كثيرة.
أما الدكتور أشتي حورامي، وزير نفط إقليم كردستان، فقد كان أكثر المتكلمين تصلباً، وتفوه بكلمات ليس من اللائق ذكرها هاهنا، وقال ما مجمله أن القانون ليس مطروحاً للتعديل، وكذلك لا يجوز تعديل الدستور لوجود آليات بهذا الأخير تمنع ذلك. ثم إذا كان ولا بد إجراء تعديل بهذا القانون فإن الشيء الذي يجب أن يعدل فهو الملحقان رقم (1) و(2) من القانون نظراً لتخصيصهما حقول لشركة النفط الوطنية كان من الأولى وضعهما ضمن الملحق رقم (3) الذي خُصص للهيئة الإقليمية، وبذلك خالف الخبير طارق شفيق الذي طالب بتخصيص كافة الحقول المذكورة بالملحقات رقم (1) و(2) و(3) من القانون إلى شركة النفط الوطنية لكونها هي التي اكتشفت تلك الحقول. إن الموقف المتشدد الذي جاء به وزير نفط كردستان أثار عجب واستياء الخبراء وأغلب الحاضرين وحتى العديد من النواب، وخيَّم على الحاضرين، بعد الانتهاء من كلامه، نوع من الوجوم.
أقول لقد كنا نعتقد حينما دُعينا إلى تلك الندوة بأن مجلس النواب العراقي والوزراء المعنيين جادون في الاستماع إلى ما كان سيقوله خبراء النفط العراقيون، وذلك من أجل الاستنارة والتسلح بأسباب قد تكون فنية أو منطقية أو وطنية في المناقشة القادمة للقانون، ومن ثم الخروج بقرارات تصب في مصلحة الشعب العراقي. على أن الذي حدث- لشديد الأسف- هو العكس. فبينما استغرقت كلمات الجالسين على المنصة والممثلين لجهة الحكومة معدَّل عشرين دقيقة لكل واحد منهم، طُلب من الخبراء، عندما جاء دورهم ، الكلام شريطة عدم تجاوز أي واحد منهم ثلاث دقائق فقط نظراً لضيق الوقت! وإذا كانت هناك كلمات مكتوبة تستغرق قراءتها أكثر من ثلاث دقائق فعلى المتكلم إيداع ورقته لدى رئيس الجلسة. وعندما جاء دوري في الكلام، اضطررت إلى الاختصار الشديد لأتقيد بالوقت المسموح به وأودعت ورقتي المعنونة ” ملاحظات حول قانون النفط والغاز المقترح” عند الشيخ خالد العطية.
لقد وضع الدستور العراقي، بمثالبه العديدة، سقفاً واطئاً ومقيداً للقوانين الفيدرالية التي ستصدر مستقبلاً عن مجلس النواب، وأهمها قانون النفط والغاز قيد البحث. ولم تكن بنيتي حينما كتبت ورقتي الموجزة الدخول في التفاصيل الفنية للقانون المقترح، فقد أجاد بهذا المضمار خير إجادة الخبيران طارق شفيق وفاروق القاسم بورقتهما المشتركة المعنونة ” تعليقات على قانون النفط والغاز بتاريخ آذار 2007″ التي قُدِّمتْ في الندوة. وركزت بدلاً من ذلك على ثلاث نقاط اعتبرتها مهمة إضافة إلى ما ورد في الرسالة المفتوحة للخبراء العراقيين الموجهة لمجلس النواب في آذار
الماضي والتي كنت أحد الموقعين عليها. لقد وردت النقاط الثلاث التي أشرت إليها بالصيغة التالية: “إن الاجتماع هذا هو لمناقشة قانون النفط والغاز المقترح، إلا إنني أجد صعوبة في نقد هذا القانون وتقديم اقتراحات لتعديله دون أن أصطدم بالمواد الدستورية الضابطة لهذا القانون. بمعنى آخر، أنني عندما أدعو لإلغاء مادة في هذا القانون أو تحويرها أو إضافة مادة جديدة، سيصبح القانون – في حالة الاستجابة لملاحظاتي- غير دستوري ولا يمكن في هذه الحالة الأخذ بهذه الملاحظات ما لم تعالج مشكلة الدستور قبل أن يصار إلى معالجة القانون.
أولاً: إن الموضوع الأهم لدي والذي أريد معالجته هو من له الحق بإدارة ثروات النفط والغاز، أو ثروات البلد الطبيعية بصورة عامة؟ تنص المادة (111) من الدستور العراقي على أن (النفط والغاز هما ملك الشعب العراقي في كل الأقاليم والمحافظات). إن هذه المادة تجعل كامل الثروة البترولية العراقية مسألة سيادة وتنيط حقوق إدارتها بالحكومة الفيدرالية أو الاتحادية، في حين جاءت المادة (112 –فقرة أولى) وهي تقول: ( تقوم الحكومة الاتحادية بإدارة النفط والغاز من الحقول الحالية مع حكومة الإقليم والمحافظة المنتجة…. الخ) وهي بهذه الحالة تحرم الحكومة الاتحادية من المشاركة في إدارة الحقول المستقبلية. ولذلك خُصص الملحقان رقم (1) و(2) لقانون النفط والغاز إلى شركة النفط الوطنية، وخُصص الملحق رقم (3) وهو يشتمل على 26 حقل مكتشف غير مطوَّر إلى الهيئة الإقليمية أو الوزارة المختصة في حكومة الإقليم. أما الملحق رقم (4) وهو يشتمل على 65 رقعة استكشافية فلم تتم الإشارة إليه بهذا القانون رغم كونه جزءً منه، ولربما سيصبح أهم الملاحق الأربعة في المستقبل. ونستخلص من ذلك أن الإحتياطيات الهائلة التي سيتم اكتشافها مستقبلاً، ويقدر حجمها بحوالي ضعف ما هو موجود حالياً، كما جاء في دراسة رصينة قام بها مركز دراسات الطاقة العالمية (CGES) بالاشتراك مع شركة (Petrolog)، ستكون إدارتها بكاملها من نصيب الإقليم والمحافظات فقط دون إشراك شركة النفط الوطنية، وهي تمثل الحكومة الاتحادية وتتركز فيها ما يقارب كامل تجارب العراق وخبراته البترولية.
أنا اعتقد أن هذا التقسيم هو إجحاف بمصالح الشعب العراقي ولربما سيؤدي إلى إهدار الجزء الأكبر من ثروته البترولية، وذلك أن الحكومة الاتحادية هي التي ستؤدي واجبها المناط بها بمنظار استراتيجية تنموية وطنية مدروسة ومتوازنة تأخذ بعين الاعتبار مصلحة العراق والشعب العراقي بصورة شاملة، وذلك بخلاف حكومات الإقليم والمحافظات التي سوف لن تبتعد كثيراً عن مصالحها الضيقة. هذا ناهيك عن ما سيؤدي إليه ذلك التقسيم من أضعاف إلى لحمة البلد ولربما إلى تفتيته بالمستقبل.
أضف إلى ذلك أن حرمان الحكومة الاتحادية من المشاركة في إدارة إحتياطيات النفط والغاز المستقبلية سيصب في صالح شركات النفط الأجنبية التي ستتاح لها فرص الاستفراد بالأقاليم والمحافظات المتنافسة فيما بينها والضعيفة أصلاً نتيجة تفرقها وقلة خبرتها، علماً أن 25 رقعة استكشافية من مجموع 65 رقعة شملها الملحق رقم (4) هي عابرة للحدود بين محافظتين أو ثلاثة، ما سيؤدي إلى التناحر فيما بينها بغياب إدارة شركة واحدة هي شركة النفط الوطنية الممثلة لكافة الشعب. هذا ولا أريد التحدث هنا عن انتشار الفساد الذي أصبح يضرب أطنابه بجميع مفاصل الدولة واحتمال سيطرة أقلية من المتمولين وذوي السطوة بطرق ملتوية على ثروة الشعب البترولية، تماماً كما حدث في روسيا الاتحادية في مطلع التسعينات من القرن الماضي.
لذلك، ومن أجل المحافظة على ثروات الشعب العراقي وحماية مصالحه، يستوجب منكم جميعاً، يا أعضاء مجلس النواب يا ممثلي الشعب، وضع كامل ثروات البلد النفطية والغازية بما فيها الحقول المنتجة حالياً والمكتشفة غير المطوَّرة والتي سيتم اكتشافها بالمستقبل تحت إدارة شركة النفط الوطنية. إن ذلك لا يمكن عمله بصورة قانونية ما لم تعدَّل المادة (112) من الدستور لتنص على أن (تقوم الحكومة الاتحادية بإدارة النفط والغاز المستخرج من كافة الحقول الحالية والمستقبلية مع حكومات الإقليم والمحافظات المنتجة…الخ). لذلك أدعو إلى التريث وعدم إصدار هذا القانون ولحين القيام بالتعديل الدستوري المطلوب. أما إذا لم يعدَّل الدستور بما تستوجبه مصلحة عموم الشعب كما ذكرتها، فتلك هي الطامة الكبرى.
ثانياً: نصت المادة (42) من القانون المقترح بما يلي: (لا يُعمل بأي نص يتعارض مع هذا القانون). أنا اعتقد بأن هذه المادة مهمة جداً. ولكن هذا الموضوع يثير التساؤل بسبب ما ورد بالدستور. أليس الدستور يعطي الأولوية لقوانين الإقليم والمحافظات كما جاء بالمادة (113) منه؟ إن هذه المادة غريبة كل الغرابة، إذ كيف تعلو قوانين الإقليم والمحافظات على القوانين الفيدرالية في حالة التعارض فيما بينها في حين أن حكومات الإقليم والمحافظات تعتبر الصف الثاني أو الطرف الأدنى في معادلة الحكومة العراقية حيث الحكومة الاتحادية تمثل الصف الأول أو الطرف الأعلى في تلك المعادلة؟ ثم تأتي المادة (118) من الدستور، وهي تخص سلطات الأقليم، فتزيد من هذا الخلل حين تنص على أن ( يحق لسلطة الإقليم تعديل تطبيق القانون الاتحادي وقانون الإقليم بخصوص مسألة لا تدخل في الاختصاصات الحصرية للسلطات الاتحادية)، في حين أن النفط والغاز لا يدخلان ضمن الاختصاصات الحصرية للسلطات الاتحادية.
أليست تلك المواد مجافية للمنطق في حين نرى في حالة الولايات المتحدة الأمريكية مثلاً، وبما يخص دستورها بالذات، أن ذلك الدستور يعطي الأولوية للقوانين الفيدرالية في حالة تعارضها مع قوانين الولايات؟ أنني والله استغرب أشد الاستغراب من هذا الانقلاب في المفاهيم عندما يتعلق الأمر بالدستور العراقي والقوانين العراقية، في حين أن الولايات المتحدة الأمريكية تدَّعي بأنها هي الراعية لمصالح الشعب العراقي هذه الأيام!
ثالثاً: إن عقد التنقيب والانتاج المذكور بالقانون المقترح، والذي قد يكون مسمّى آخراً لعقد المشاركة في الإنتاج، هو، في الأغلب الأعم، العقد الأعلى كلفة والأطول مدة بين العديد من العقود النفطية المعمول بها بالوقت الحاضر. ونظراً لهاتين الصفتين أرى من الأفضل عدم الركون لمثل هذا العقد إلا في حالات الضرورة القصوى، كأن تكون هناك حاجة ماسة لزيادة السعة الإنتاجية تقتضيها سياسة البلد النفطية، وبعد أن يتم استنزاف كافة الوسائل التعاقدية الأخرى الأقل كلفة والأقصر مدة والوافية بتنفيذ العمل المطلوب.
وعودة إلى الندوة قبل ختام هذه المقالة، لاحظت أن الدكتور علي بابان (وزير التخطيط) كان يركز على كون الموارد النفطية تخص عامة الشعب العراقي وستذهب إلى صندوق واحد وكرر هذا الأمر عدة مرات. وكذلك فعل قبلاً بعض الوزراء والسياسيين العراقيين، وكذلك فعل السفير الأمريكي السابق الذي نشر مقالاً بهذا الموضوع، وكذلك فعل الكونغرس الأمريكي، وكذلك فعل الرئيس بوش.
أنا أرى أن موضوع ذهاب الموارد إلى صندوق واحد هو تحصيل حاصل للمادة (111) من الدستور والتي تقول إن النفط والغاز هما ملك الشعب العراقي، وأنا لا أعرف كيف يكون النفط والغاز ملكاً للشعب العراقي إذا لم تذهب الموارد النفطية إلى صندوق واحد يخص عامة الشعب. لذلك فإني أرى أن ذلك التركيز على صندوق الموارد النفطية إنما يراد به إظهار الأمر وكأنه إنجاز كبير وهو ليس كذلك. إن المراد بذلك التركيز هو صرف النظر عن الخلل الكبير الذي يكتنف قانون النفط والغاز المزمع تمريره باستغفال الشعب العراقي.
ثم أني أتساءل كيف سيتم توزيع الموارد النفطية على الإقليم والمحافظات في حين أن موارد العراق النفطية تخصص الآن بكاملها لتمويل ميزانية الدولة الاتحادية والاستثمارية. إن الموارد النفطية كانت منذ البداية ولازالت تمول نحو 95% من ميزانية الدولة وهي تكاد تكون المصدر الوحيد للعملات الصعبة التي يحصل عليها العراق والتي تمكنه من الاستيراد. فما هو مصير الحكومة الاتحادية إذا كانت الموارد النفطية ستوزع على الإقليم والمحافظات بصورة تتناسب مع توزيع السكان، وهل ستغلق الحكومة الاتحادية أبوابها وتعلن الإفلاس؟ والسؤال الآخر الذي يطرح نفسه هو ماذا سيكون مصير عمليات إعادة الإعمار وتحضير وتمويل خطط التنمية الشاملة لكل البلاد، هل أنها ستتوقف؟ أم أن الإقليم والمحافظات هي التي ستقوم بإعادة إعمار نفسها بنفسها وتموِّل خططاً تنموية صغيرة خاصة بها ومنفصلةٌ الواحدة عن الأخرى؟ لقد ظلت الشعوب العربية طيلة الـ 60 سنة الماضية تطالب بالتكامل الاقتصادي العربي الذي لم يتحقق لحد الآن، فهل ستنتهي الحالة بالشعب العراقي- بعد التراجع إلى الوراء نتيجة هذا القانون- بالمطالبة بالتكامل الاقتصادي فيما بين المحافظات العراقية؟
ختاماً أريد أن أقول أن الدكتور أشتي حورامي (وزير نفط كردستان) قد نصح النواب بسن قوانين موحدة للشعب العراقي وليس مفرقة له، وهو بنفس الوقت يدعو إلى الالتزام بالدستور وعدم الخروج عليه. إن السؤال المناسب هنا هو كيف يكون ممكناً إصدار قوانين موحدة للشعب العراقي في حين أن الدستور العراقي، وهو أبو القوانين، جاء مفرقاً لهذا الشعب المظلوم وليس موحداً له، وكذلك جاء على خطاه قانون النفط والغاز؟
Posted: April 29th, 2007 under Oil.
Comments: 1
Comments
Comment from Hani Lazim
Time: 2007-04-30, 1.13 am
This article opens ones eye, but more important is the kurdish (minister of oil) stand , it is disgracefull as the narrow nationalist thinking
Write a comment